الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

303

نفحات الولاية

أمه . ولعل التعبير بدرج إشارة إلى حقيقة وهى أنّ الأفكار والعادات الشيطانية ليست طارئة ومفاجئة على الإنسان ؛ بل تتجذر فيه بصورة تدريجية ؛ كما عبر عنه في حذر المؤمنين منها حيث يتسنى له اقتياد الإنسان خطوة خطوة نحو الفساد والضلال والكفر . « 1 » فقال : « فنظر بأعينهم ، ونطق بألسنتهم » . أي أنّ هذه البيوض والفراخ الشيطانية ستنمو وتترعرع حتى تتبدل إلى شياطين تتحد معهم بحيث تنفذ في جميع أعضائهم وجوارحهم حتى يعيشون الأزدواج في شخصياتهم ، فهم من جانب إنسان ، ومن آخر شيطان ، ظاهرهم إنساني أمّا باطنهم شيطاني . عيونهم وآذانهم وألسنتهم وأيديهم وأرجلهم أدوات تأتمر بأوامر الشيطان ، فمن الطبيعي أن يروا جميع الأشياء بصيغة شيطانية كما أنّ آذانهم تطرب لسماع الانغام الشيطانية . أمّا في المرحلة الرابعة فيتناول عليه السلام النتيجة النهائية لهذه المسيرة التدريجية المنحرفة فيقول : « فركب بهم الزلل ، وزين لهم الخطل » « 2 » ويشبه هذا الكلام ما أورده الإمام عليه السلام في موضع آخر من نهج البلاغة « إلّا وأنّ الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها » « 3 » . ثم قال عليه السلام في المرحلة الأخيرة « فعل من قد شركه الشيطان في سلطانه ، ونطق بالباطل على لسانه » « 4 » . إشارة إلى أنّ أعمال هؤلاء تدل بوضوح على أنّ الشيطان استحوذ عليهم فتصرف فيهم كيف يشاء . فحديثهم حديث الشيطان ونظرهم نظر الشيطان وبالنتيجة فان بصمات الشيطان متجسمة فيهم ، والواقع هو أنّ الإمام عليه السلام أراد في هذه المرحلة أن يعرف هؤلاء الأفراد من خلال أعمالهم الشيطانية . ويبدو أنّ مراده عليه السلام بعض الأفراد كطلحة والزبير وانصارهما وأصحاب معاوية والخوارج ومن كان على شالكتهم ، رغم أنّ الكتب المعروفة لشرح نهج البلاغة وأسانيدها لم تتعرض إلى الأفراد أو الطوائف المرادة بكلام الإمام عليه السلام . مع

--> ( 1 ) سورة البقرة / 168 و 208 ؛ سورة الأنعام / 142 ؛ سورة النور / 21 . ( 2 ) هذا التفسير على أساس أنّ حرف الباء في بهم للتعدية ، امّا إذا فسرت بالاستعانة فانّ مفهوم الجملة سيصبح أنّ الشيطان بالاستعانة بهؤلاء سيركب الخطأ والزلل ؟ ولكن بالالتفات إلى العبارة « وزين لهم الخطل » وفاء التفريع في فركب يبدو التفسير الأول أنسب . ( 3 ) نهج البلاغة ، الخطبة 16 . ( 4 ) كلمة « فعل » يمكن أن تكون مفعولًا مطلقاً لفعل محذوف تقديره « فعلوا ذلك فعل . . . » كما يمكن أن تكون مفعولًا مطلقاً لما سبق ( نظر ، نطق ، ركب وزين ) وسيصبح مفهوم الجملة أن أفعال هؤلاء أفعال من شرك الشيطان في عمله .